النوخذة Alnokhitha - مقالات - مقال رائع للكاتب البحريني: أحمد اسحق الكوهجي

مقال رائع للكاتب البحريني: أحمد اسحق الكوهجي مقال رائع للكاتب البحريني: أحمد اسحق الكوهجي
التصنيف:
مقالات

مقال رائع للكاتب البحريني: أحمد اسحق الكوهجي

الخليج لن يقاتل بالنيابة عن أحد
منذ اللحظة الأولى كان موقف دول الخليج واضحاً لا لبس فيه:
لن نطلق طلقة واحدة على إيران خدمةً للكيان الصهيوني أو لأي طرف آخر.

هذا القرار لم يكن وليد تردد أو خوف، بل جاء نتيجة فهمٍ عميق لطبيعة هذه الحرب وتعقيداتها.

فمن يضمن لنا أن الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني لن ينسحبا في لحظةٍ ما، تاركين المنطقة وحدها تتحمل تبعات حربٍ مدمرة؟

لقد اختارت دول الخليج طريقاً آخر منذ سنوات طويلة؛ طريق التنمية والبناء والاستقرار.

مدنٌ تنهض من الرمال، واقتصاداتٌ تنمو بثبات، ومجتمعاتٌ تتطلع إلى المستقبل بثقة.

فهل من الحكمة أن نغامر بكل هذه الإنجازات لنخوض حرباً لا تخدم شعوبنا ولا أوطاننا؟

ورغم وضوح هذا الموقف، ما زالت الجمهورية الإيرانية تحاول جرّ المنطقة إلى أتون الصراع، وكأنها تريد توسيع دائرة الحرب لتشمل الجميع.

والحقيقة التي بدأت تنكشف أمام العالم اليوم أن أطراف هذا الصراع — الولايات المتحدة، والكيان الصهيوني، وإيران — لكلٍ منهم حساباته الخاصة، ولكلٍ منهم أهدافه التي قد تُدار أحياناً على حساب استقرار هذه المنطقة.

ولهذا كان الخيار الأكثر حكمة أن تركز دول الخليج على حماية أراضيها وسمائها، لا أن تنجر إلى معركة قد تستنزفها سياسياً واقتصادياً.

فالقوة الحقيقية ليست دائماً في إطلاق النار،
بل في القدرة على اختيار اللحظة المناسبة لاستخدام القوة أو الامتناع عنها.

أما على مستوى الشعوب، فإن شعوب الخليج تقف صفاً واحداً خلف قياداتها، بل إن هذه الظروف كشفت حقيقة مهمة:
أن وحدة الخليج لم تعد مجرد فكرة سياسية، بل أصبحت شعوراً راسخاً في وجدان الشعوب.

فنحن شعوب يجمعها التاريخ والدين واللغة والمصير المشترك، وما يجمعنا أكبر بكثير من أي خلافات عابرة.

وقد تكون هذه الظروف، رغم قسوتها، بداية لمرحلة جديدة من الوعي والنضج السياسي.

فالأزمات كثيراً ما تصنع الأمم القوية.

كما قال الله تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
فنحن لا ننظر إلى العسر وحده، بل ننظر أيضاً إلى اليسر الذي قد يولد من قلب هذه الأزمات؛
يسرٌ في نضج الشعوب،
ويسرٌ في ارتقاء الوعي السياسي،
ويسرٌ في اتساع رؤية قادة الخليج نحو مستقبلٍ أكثر تكاملاً لحماية هذه الدول الست.

ولهذا فإن من الواجب أيضاً على الدول العربية أن تدرك أهمية دعم هذه التجربة الخليجية، فهي تمثل اليوم آخر نموذج عربي ناجح للتعاون الإقليمي.

فكم من مشاريع الوحدة العربية ظهرت ثم اختفت، وكم من تجارب التعاون انهارت قبل أن تكتمل، لكن مجلس التعاون الخليجي بقي صامداً، يختبره الزمن وتختبره الأزمات.

وعندما تنقشع غبار هذه الحرب، سيتضح للجميع أن قرار الحكمة كان هو القرار الصحيح.

فنحن — ولله الحمد — نملك قدرات كبيرة وإمكانات عظيمة، لكن الحكمة ليست دائماً في استخدام القوة، بل في القدرة على الاحتفاظ بها.

فالقوة التي لا تُستعرض عبثاً تبقى هيبةً في قلوب الخصوم.
واليوم، هناك من يريد أن يجرّ المنطقة إلى حرب أوسع لأسباب مختلفة؛

فمنهم من يبحث عن إنقاذٍ سياسي،
ومنهم من يريد إشعال المنطقة ليخرج من أزمته،
ومنهم من يسعى لإنعاش اقتصاده ببيع السلاح.
لكن شعوب الخليج اليوم أكثر وعياً من أن تُستدرج إلى تلك الحسابات.

فنحن شعوب يجمعها الدين والدم والتاريخ، ولن نسمح لأحد أن يفرق بيننا أو يجرنا إلى صراع يخدم مصالح الآخرين.

بل ربما تكون هذه الأزمة، رغم مآسيها، خطوة تدفع الخليج نحو مرحلة جديدة من التكامل، وربما نحو اتحادٍ خليجيٍ أقوى.
فالعالم اليوم لا يحترم الدول المتفرقة، بل يحترم التكتلات القوية.

ولهذا فإن الاتحاد الخليجي لم يعد حلماً عاطفياً،
بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية مستقبل المنطقة.
وعندما تنتهي هذه المعركة، وتنكشف غبارها، سيدرك الجميع أن حكمة الخليج لم تكن ضعفاً…
بل كانت قوة تعرف متى تتحرك ومتى تنتظر.

بقلم: إسحاق أحمد الكوهجي
مملكة البحرين